ابن بطوطة
348
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
أيام رحيلهم عن تبوك يصلون إلى بئر الحجر « 28 » حجر ثمود « 29 » ، وهي كثيرة الماء ولكن لا يردها أحد من الناس مع شدة عطشهم اقتداء بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث مر بها في غزوة تبوك فأسرع براحلته وأمر أن لا يسقى منها أحد ، ومن عجن به أطعمه الجمال . وهنالك ديار ثمود في جبال من الصخر الأحمر منحوتة لها عتب منقوشة يظن رائيها أنها حديثة الصنعة ، وعظامهم نخرة في داخل تلك البيوت ، إن في ذلك لعبرة . ومبرك ناقة صالح عليه السلام بين جبلين هنالك وبينهما أثر مسجد يصلي الناس فيه ، وبين الحجر والعلا « 30 » نصف يوم أو دونه ، والعلا قرية كبيرة حسنة لها بساتين النخل والمياه المعينة يقيم بها الحجاج أربعا ، ويتزودون ويغسلون ثيابهم ويودعون بها ما يكون عندهم من فضل زاد ويستصحبون قدر الكفاية . وأهل هذه القرية أصحاب أمانة . وإليها ينتهي تجار نصارى الشام لا يتعدونها « 31 » ويبايعون الحجاج بها الزاد وسواه ، ثم يرحل الركب من العلا فينزلون في غد رحيلهم الوادي المعروف بالعطاس « 32 » ، وهو شديد الحر تهب فيه السموم المهلكة ، هبّت في بعض السنين على الركب فلم يخلص منهم إلا اليسير ، وتعرف تلك السنة سنة الأمير الجالقي « 33 » ، ومنه ينزلون هديّة « 34 » وهي حسيان ماء بواد يحفرون به فيخرج الماء وهو زعاق ، وفي اليوم الثالث ينزلون بظاهر البلد المقدس الكريم الشريف .
--> ( 28 ) بئر الحجر : اسم لمرحلة كانت تنزل بها القوافل القديمة بين اليمن وسوريا وقد ورد ذكرها عند بلين ( Pline ) تحت اسم ( HEGRA ) ( 29 ) حجر ثمود يسمى اليوم مدائن صالح التي زرناها بمناسبة مؤتمر الرياض حول جغرافية الجزيرة العربية يناير 1979 وتوجد إشارات لقبيلة ثمود في المصادر الإغريقية والآشورية وبخاصة في القرآن الكريم ، السورة الحادية عشر ، الآية 61 / 68 ، هذا وردا على ما يذكر في الأساطير عن أجسام آل ثمود لاحظ ابن خلدون أن ديارهم وأبوابها صغيرة ! ! أنظر المقدمة حول مبالغات المؤرخين . . . ( 30 ) العلا تقع على بعد أربعين كيلومترا ، جنوب مدائن صالح . . . ( 31 ) يلاحظ هنا تحديد منطقة الحرم حيث لا يجوز تجاوزها بالنسبة للذين لا يعتنقون الإسلام ، وما تزال هذه الحدود اليوم هي التي كانت عليها بالأمس . . . ( 32 ) العطاس لم نهتد لتحديده ، فهل له صلة بالعطاش ( بالشين ) ؟ أسعد سليمان عبده : معجم الأسماء الجغرافية 1404 - 1984 ص 325 . ( 33 ) القصد إلى قطلقتمر صهر الجالق الذي ولى نيابة غزّه قبل الجاولي وقد توفي سنة بضع عشرة وسبعمائة - 1317 . ( 34 ) هدية : ( بضم الهاء ) محطة تقع على الخط 32 ، 25 شمالا و 47 ، 38 شرقا .